المستجدات المحتملة في الشرق الأوسط والدور الكردي

شباط/فبراير 11, 2013 1978

 

 

سيبنى الشرق الأوسط الجديد على أساس حرية ودمقرطة كردستان...

دوران كالكان

تسمى المرحلة الحساسة والهامة التي تمر بها منطقتنا  بالحرب العالمية الثالثة، ولمقاومة المجتمع الكردي ضد النظام الاستعماري والاستبدادي في كردستان دور هام في ظهور حرب كهذه. ان تمرد الشعب الكردي في جميع الأجزاء الكردستانية ضد الأنظمة المتمخضة من الحرب العالمية الأولى في المنطقة وكردستان، شكل الأساس التاريخي لظهور المرحلة الراهنة. ولدى إضافة عصيان حزب العمال الكردستاني المنطلق في الربع الأخير من قرن العشرين كحركة مقاومة وطنية ديمقراطية شملت كردستان عموما الى هذه المرحلة، أدى الى تجزئة وتشتيت نظام الحداثة الرأسمالية في كردستان، وبالتالي الى انهياره. كما اثر هذا الوضع بدوره تأثيرا بالغا على نتائج التطورات الحاصلة على المستوى الدولي. اندلعت حرب عالمية جديدة مع انهيار الاشتراكية المشيدة من جانب وإضافة هرع الرأسمال القومي الفوقي وراء الاستعمارية والربح الأعظم من جانب اخر. حيث عبر قائد الشعب الكردي "عبدالله أوجلان" عن أحداث الشرق الأوسط المركز الواقعة في الأعوام العشرين الاخيرة كحرب عالمية جديدة، والكل الآن يُعرفها بهذه التسمية، ويقبل بان ما نمر به حرب عالمية. حيث تُقيم كحرب إيديولوجية وسياسية أكثر مما هي حرب عسكرية كالحربيين العالميتين الأولى والثانية. وما يمر به العالم وعلى رأسه الشرق الأوسط وشرق أوروبا واسيا وإفريقيا محمل بوقائع الحرب.

لقد بدأت هذه المرحلة في الشرق الأوسط مع حرب الخليج، ومتمحورة الآن على الصراع الدائر ومسار تطوره في سوريا. علينا ان لا ننسى بان ما نسميه بالحرب العالمية الثالثة اليوم، اندرجت على جدول النقاشات اثر تغير الأنظمة التي بنتها الحرب العالمية الأولى. وفي هذا الخصوص جاءت كردستان من أولى المناطق التي لاقت حتفها في التغير على يد النظام العالمي. كردستان هي المنطقة التي أرادت الهيمنة الرأسمالية العالمية إنكارها والقضاء عليها في الحرب العالمية الأولى. في الحقيقة، تعرض المجتمع الكردي الى إبادات عرقية وثقافية على يد الأنظمة الإقليمية في قرن العشرين. تعرض الشعب الارمني والأشوري والرومي إلى إبادات جماعية ومذابح في مرحلة بناء الأنظمة، وأما في الأصل أُريد إنشاء نظام الحداثة الرأسمالية العالمية على إبادة الشعب الكردي. وبالتالي هناك مرحلة إبادة يمر بها الشعب الكردي وكردستان تمتد الى سبعين عاما.  المقاومة الموجودة ضد سياسة الإبادة ومناهضتها على الصعيد العالمي، أدت الى تهيئة أرضية لحرب عالمية ثالثة، وهذه هي الحقيقة الكامنة ورائها اليوم. انطلاقا من هذا الجانب، هناك حرب الكرد ضد الرجعية الإقليمية والعالمية في أساس الحرب العالمية الجديدة هذه، وما حرب الولايات المتحدة الأمريكية والناتو مع حقيقة الكرد الحر إلا تعبير عن ذلك.

علينا ان لا نمر على ما يجري في كردستان كمرور الكرام او نتناوله كحدث محلي إقليمي، كون هذه المواقف والمفاهيم ستؤدي بنا الى المغالطة. هناك البعض من الأوساط الليبرالية تدعي بان الأكراد يبالغون بأنفسهم وكأنهم يشكلون مركز العالم، لذا ينبغي عدم التأثر بهم والنظر الى ما يجري في كردستان كحدث محلي او إقليمي. ان وجهة نظر مثل هذه متأثرة بالشوفينية، وفي الأصل تعبير عن النهج الرفيع للإبادة العرقية والثقافية المتبعة في كردستان منذ تسعين عاما. كما ان مثل هذه الأوساط تسير على النهج الاستعماري المتكافئ مع الظروف الجديدة في مرحلة حزب العدالة والتنمية. انهم يؤيدون إبادة الكرد بشكلها الرفيع ويدافعون عنها ويؤيدون مرتكبيها. وعلينا ان لا نصب بأي شك في هذا الأمر ابدا. وبالأحرى، علينا ان نعلم بان أساس الحرب العالمية الشرق الأوسطية المركز هو الصراع الدائر على كردستان.

اما الحلقة الثانية فهي المقاومة العربية. لم يكن البدء بهذه المرحلة من حرب الخليج كبعد عسكري وليد الصدفة. ولا يمكننا التعبير عنها لا بتحررية أمريكا ولا بهتلرية نظام صدام. وكل هذه التعابير خاطئة ولا تخلو من الخداع والتضليل. فلأجل ان ينقذ احدهم نفسه، يتستر على هدفه من الغزو، وهذا بدوره يؤدي الى نقص إدراك الحقيقة وتعتيمها، وتُقنع الحقائق ايضا. بالعكس فان البدء بالحرب العالمية الجديدة هذه من الخليج يدل على وجود علاقة وطيدة بين الهيمنة الرأسمالية العالمية بأنظمة الشرق الأوسط. ان الحرب العالمية الملتهبة اليوم بالتمحور في سوريا مع العصيان العربي في 2011 الذي بدأ من تونس ومصر ليست صدفة، بالعكس نعلم بان سبب المقاومة الموجودة هو نتيجة رد فعل وغضب تجاه السياسة التي اتبعتها الهيمنة الرأسمالية العالمية مع الحرب العالمية الأولى وما بنته من أنظمة في الشرق الأوسط، ومن البلدان والمجتمعات التي سعت الى القضاء عليها كانت كردستان والكرد، حيث اتبعت سياسة التجزئة والقمع والاستعمار بإجحاف، وجعلته مجتمعا في الدرجة الثانية، وكذلك كانت تجزئة حقيقة المجتمع العربي الذي قاد الإنسانية منذ الثورة النيوليتية وظهور الحضارة السومرية إلى انطلاقة الإسلام الى درجة إذلاله وتحقيره والإيقاع به كمجتمع من الدرجة الثانية والثالثة. لذا لا يمكننا ان نعبر عنها بالدولة القومية فحسب، او كأنه يتبع حرب الديمقراطية ضد الطابع الديكتاتوري والفاشي لنظام صدام ومبارك او ألقذافي. ولا يوجد وضع كهذا في الميدان. فهل الذي جاؤوا من بعد صدام أكثر اختلافا من ديكتاتوريته؟ وكذلك هل الذين اخذوا مكان ألقذافي مختلفين عنه كثيرا، وأحرار؟ كلا. فهل أمريكا والناتو اللذان هاجما العراق وليبيا ديمقراطيتان وإنسانيتان؟ الكل يعلم ويقبل بانه ليس كذلك. إذن، لا يمكننا ان نقيم او نتطلع الى الحرب القائمة بين القوى السلطوية السابقة والجديدة الراغبة في السلطة على انها حرب في الشرق الأوسط. انها حرب شكلية، او حرب وصراع دامي بين أقطاب السلطة. ان هذه الحرب تعبر عن النزاع بين الأقطاب لحصول أحداها على السلطة والتحكم بالمجتمعات وبمصادر الغنى. انها ليست حرب دمقرطة وتحرير المجتمعات. بلا ريب، للشعوب حنينها المكبوت منذ عقود طويلة الى الحرية والديمقراطية، ولكنها مهمشة في الراهن. ربما تظهر ديناميكيات جديدة في المرحلة المقبلة وتجد تأثيرها اكثر، ولكن الوضع الحالي لا يتخطى اكثر من النزاع على مَن سيقمع او يستعمر المجتمع. إلا إن هناك تناقض وصراع أعمق من وراء ذلك. هناك كفاح عميق، وقد عرفها قائد الشعب الكردي "عبدالله أوجلان" بـ " الصراع المستمر ما بين تاريخ الحضارة الديمقراطية والحضارة المركزية، وبين البراديغما الدولتية وبراديغما المجتمع الديمقراطي". واليوم صراع كهذا يتم معايشته كحرب عالمية جديدة عبر الشرق الأوسط.

لم يقبل النظام الذي نشأته الحرب العالمية الأولى لا بالكرد ولا بالعرب على السواء، هناك هجمات امبريالية ضد الشرق الأوسط لسحق المقاومة الكردية والعربية وإنشاء هيمنة جديدة على القيم التاريخية للشرق الأوسط ومصادر غناه. تُسير حرب النزاع على السلطة بين أقطاب السلطة التقليدية للمنطقة والقوى الامبريالية المهيمنة العالمية. انه صراع الاستيلاء على الشرق الأوسط من جديد. وبالأصل يسير نزاع السلطة لسحق وقمع الثورات والحركات الشعبية الديمقراطية المناهضة للأنظمة الموجودة والهادفة إلى إعادة التحام الشرق الأوسط مع تاريخه وبناء الوحدة الديمقراطية وأخوة الشعوب. ان التناقض والصراع الحقيقي ليس بين أقطاب السلطة في المنطقة والقوى الامبريالية العالمية، بل صراع بين القيم الديمقراطية التاريخية للشعوب والقوى المهيمنة للمنطقة والنظام الرأسمالي العالمي الحاكم. وهذا الصراع متركز عبر سوريا اليوم.

في الحقيقة ان المقاومة المستمرة في كردستان منذ أربعين عاما بقيادة حزب العمال الكردستاني شتت النظام القديم بنسبة عالية. وبذلك لا يستطيع النظام ان يسري بحكمه في إنكار وامحاء الكرد. ففي جنوب كردستان بدأت تُبرز إرادة كردية حتى وإن كان ضعيفا ومعتمدا على براديغما السلطة، والشعب الكردي في شمال كردستان منتفض منذ عشرين عاما، ويقاوم في سبيل حياة حرة ديمقراطية، ولا يقبل البتة ما يفرض عليه من قمع واستعمار وعبودية وإرهاب. حيث يرفض كل ذلك ويبدي قوة المقاومة ضدها.

أما الوضع في إيران فهو مختلف قليلا. هناك مقاومة الشعب في شرق كردستان ضد النظام، وموقف سياسي إيراني يترك أنظمة المنطقة في مأزق خلال الأعوام الثلاثين الاخيرة لتبدي كطرف مغاير. ومن جانب اخر وقفة تترك الهيمنة الرأسمالية العالمية في مأزق ولكن التغير الذي يسعى إليه يبدو شكليا أيضا.

إلا ان هذا ليس المؤثر الأساسي في إيران، بل الأساس هو عدم قبول المجتمع الإيراني بالوضع الموجود. والمجتمع الكردستاني في مقدمة المجتمعات الموجودة في إيران التي ترفض النظام الموجود، واصلا انه قاوم ضد هذا النظام منذ البداية. قاوم في أعوام الثلاثينات والأربعينات. حيث كان تأسيس جمهورية كردية مثل جمهورية مهاباد اثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها كمنبر لتكوين إرادة كردية. وكذلك استمر العصيان على شكل تنظيمات مختلفة مثل حزب الديمقراطي الكردستاني وكومالا. والآن فان حزب العمال الكردستاني ومنذ عام 2000 أصبح المنبع الأساس لقوة وحدة تسير هذه المقاومة بالمقاومة الوطنية الديمقراطية التي شملت كردستان عموما.

اما الجزء الآخر من كردستان فهو غرب كردستان. بالأصل ان الأنظمة الموجودة منهارة الآن مع جميع هذه التطورات، فالنظام السابق منهار حتى وإن لم يكن هناك نظام دائمي بعد. اما مجتمع غرب كردستان فقد دعم التمردات التي ظهرت في جنوب كردستان، وأصبح من أقوى دعائم الحرب الذي بدأ به حزب العمال الكردستاني في الشمال منذ أعوام الثمانينات. كما ان الأكراد الموجودين خارج الوطن ايضا أصبحوا منبعا قويا في دعم نضالهم التحرري. ومقابل انتشار نظام الإبادة في الأجزاء الأربعة من العالم للقضاء على الكرد وإخراجه من كونه مجتمع، فقد افشل المجتمع الكردي بقيادة حزب العمال الكردستاني سياسة الإبادة هذه بالالتفاف حول المقاومة الوطنية الديمقراطية أينما كان. والآن لتركيز الحرب العالمية الثالثة في الشرق الأوسط على سوريا في العصيان العربي على علاقة وثيقة مع هذه التطورات.

من جانب اخر، فان رد فعل العرب الذي يُسعى الآن الى تشتيتهم وجعلهم من الطبقة الثانية، ظهر على شكل قومية عربية راديكالية في الحرب العالمية الثانية. لقد كانت الناصرية صانع وقائد هذا النهج، وقد انتشرت في العالم العربي عموما. ولكن هذا الوضع هو تناسب زاوية من الحداثة مع العالم العربي وحتى العمالة لها، وبهذا خدعت المجتمع العربي لفترة وماطله. حتى وإن هدأت من روعة رد فعل المجتمع العربي تجاه النظام الذي بنته الحرب العالمية الأولى ولكن ظهر طابعها المزيف خلال عدة عقود لم تكن طويلة. ان القوموية الراديكالية التي أظهرت نفسها كجزء من المجتمع بينت بأنها قوة قمعية واستعمارية وبُعد من أبعاد النظام الرأسمالي طبقاُ مثلما حصل في قرن التاسع عشر في أوروبا وانقطعت عن المجتمع. وبالتالي فقد اتخذ المجتمع موقفا ضد كل هذا وعاص وقاوم. حيث تطور تمرد ديمقراطي ضد الهيمنة الغريبة والأبعاد الداخلية من المتواطئين معها. وما العصيانات التي وقعت على شكل انفجارات في أماكن مختلفة عام 2011 إلا تعبير عن هذا الوضع. بالطبع لم تكن أحادية النمط، ولا ذات بعد أحادي إيديولوجيا وسياسيا. حيث شارك في هذا العصيان جميع التيارات الإيديولوجية والشرائح الاجتماعية المستاءة من النظام، أي المعادية للهيمنة الامبريالية وللقوموية الداخلية المتواطئة معها.

والآن أصبحت سوريا نقطة التركيز لهذا العصيان، وهذا مرتبط بالتطورات في العالم العربي. وبالأصل لو لاحظنا، سنرى بان ميلاد جميع الإيديولوجيات والانعطافات التاريخية ظهرت في العراق والمصر والسعودية. كانت ظهور السومرية في العراق، اما تكوين الحضارة الدولتية فتحققت في موصل شمال العراق والشام. كذلك انطلاقة الإسلام كانت في المكة والمدينة ولكن تدوله كان في الشام وبغداد. كذلك ظهرت القومية العربية في القاهرة ولكنها تحولت الى نظام عربي في الشام. واليوم ايضا تمحورها في الشام بالأصل يحدد طابع النظام الجديد الذي سيتشكل في العالم العربي والشرق الأوسط. ان تمحور الصراع في سوريا يعني تمحور الصراع في العالم العربي وكردستان ايضا. لذا فانه يؤثر على المنطقة بنفس السوية ويشكل حرب الشرق الأوسط. ونعلم بان حرب الشرق الأوسط يعني الحرب العالمية الثالثة. وعلينا ان نرى هذه الحقيقة اولا. إذن، علينا ان لا نتناول الصراع في سوريا كصراع بسيط او كوضع محلي وخاص متعلق بها فحسب، فأبعاده التاريخية والإقليمية والدولية قوية. اما الكفاح في كردستان فهو داخل هذه الحرب مباشرة مثل الكفاح العربي تماما. في الأصل انه ليس بكفاح سوري؛ انه حرب المنطقة، حرب كردستان، وبالتالي يتمحور الحرب العالمية فيها.

جميع القوى على استعداد للوصول الى أهدافها من هذه الحرب، وجاء نضالنا الذي نسير به منذ أربعين عاما ليتحد مع هذه المرحلة. لذا علينا ان نقيم المستجدات الراهنة وبإمعان.  الصراع في كل من العراق ومصر وليبيا يشكل جزء من مرحلة الحرب العالمية الجديدة، اما سوريا فهي المركز والمحور لها. انه كفاح لتعيين نوعية النظام الذي سيتشكل للعرب والكرد في نهاية الحرب العالمية الثالثة، وكذلك هو المكان الذي سيوضح ويحسم فيه مركز العرب والكرد ومسار كيفية إعادة بناء الشرق الأوسط. وهذا يعبر عن نوع طابع النظام الجديد ايضا. لو تم بناء نظام عالمي من جديد، فكيف سيكون؟ فنحن في خضم حرب ستحدد كل ذلك. وبالتالي فالكل موجود ضمن هذا الكفاح. وكخلاف جميع الأحداث الإقليمية، فان القوى الدولية كلها موجودة في الصراع على سوريا. القوى الغربية الموجودة فيه: الولايات المتحدة الأمريكية-انكلترا، فرنسا، الناتو، القوى الشرقية: روسيا، الصين، الهند وإيران. ومن الواضح بانه مكان لتناقض وصراع على المستوى العالمي. وكذلك جميع القوى الرئيسية الإقليمية موجودة في هذا الصراع؛ تركيا، ايران، إسرائيل والعالم العربي، والكرد موجودين في هذا الصراع ايضا. ان القوى العالمية والإقليمية هذه هي التي تحدد وتوجه النزاعات والصراعات في سوريا اكثر من قواها الداخلية.

ومن الواضح بان كل ما هو موجود بداخل سوريا مرتبط بذلك. انه يعبر عن تشتت اثني ومذهبي كبير. حيث هناك العديد من المجموعات العقائدية كالعلويين، السنيين، المسيحيين والدرزيين. وكذلك هناك العديد من المجموعات القبائلية والعشائرية كالعرب والكرد والأرمن والأشوريين والدرزيين، والبنى القومية الأثنية المختلفة. بالطبع هناك مع هذا تيارات إيديولوجية متكونة. هناك تيارات يسارية وقومية ودينية. وكلها مبنية وفق النزاعات والصراعات الإقليمية والعالمية هذه. والصراع في سوريا يتطور بهذا البعد. وعلينا ان نرى بان الصراع ذو أبعاد كثيرة ومعقدة. والكل مشاركين فيه. وبالتالي فانها ساحة صراع لا تتطور ولا تبلغ النتيجة على نحو مستقيم ومن جانب واحد وبسهولة. وتظهر الصعوبة في هذه النقطة تحديدا، وقد يكون السبب وراء إطالة الصراع في سوريا. أرادت الولايات المتحدة وقوات الناتو القيام بحملة لتخويف الإدارة السورية الموجودة اعتمادا على النتائج المكتسبة في كل من تونس ومصر وليبيا وما حصلت عليه من قوة التأثير والنتائج المتمخضة من انهيار الأنظمة السابقة، إلا ان الإدارة السورية صاحبة وعي وخبرة سياسية يمتد الى عمق التاريخ، واستطاعت ان تتعرف على دعائم وأهداف هذه الحملة. حيث قيمتها كوسيلة ضغط وتهريب وتصدت لها. كون الخلافات والصراعات الإقليمية كثيفة جدا. وكذلك هي الخلافات والصراعات العالمية ايضا. وبقدر وجود الذين يضغطون عليها، هناك مؤيديها من القوى الإقليمية والعالمية. وحتى توجد شرائح ضمن القطب الضاغط على الإدارة السورية لم تنضم إلى هذا الضغط بل تدعمها بشكل مباشر او غير مباشر. حيث أيدها فئة من العرب، وإسرائيل نفسها وبعض القوى في أوروبا. وعندما أضيف الى ذلك الدعم الإيراني على المستوى الإقليمي والدعم الصيني والروسي على المستوى العالمي، توضح بان للإدارة السورية مسند هام بالطبع، وهذا كان السبب وراء مقاومة الإدارة السورية ضد هجمات الولايات المتحدة الأمريكية.

إذا تم تناول إدارة بشار الأسد بأنها لا تقاوم، ولا توجد مقاومة عائلة مرؤوسة او بعض الشخصيات في الحكومة، يعني عدم فهم اي شيء من الصراع في سوريا ولا تحليل حقيقة سوريا، إلا ان الحقيقة واضحة المعالم: تتحرك الإدارة السورية بسبب معرفتها لهذه الحقيقة وتريد الاستمرار اعتمادا على الوضع الراهن. ورفضها للضغوطات ومقاومتها ينبع من ذلك. فحتى بسببه لم تنجح حملة الولايات المتحدة الأمريكية, وطال الصراع في سوريا. استمرت الاشتباكات على مر عام 2012 ويبدو بأنها ستستمر الى عام 2013 والحساب الأساسي سيكون في نهاية 2012 او 2013 عبر سوريا، لان الكثير من القوى المختلفة ليست في مستوى القيام بحملة حاليا، ولا تمتلك القدرة على تغير التوازن. قطب الولايات المتحدة يعاني من تناقضات على المستوى الإقليمي والعالمي. ويوجد الانتخابات في أمريكا نفسها. والإدارة الأمريكية ليست في وضعية تمكنها من الدخول في خطر الاشتباك قبل نهاية الانتخابات. هذا السبب لوحده يكفي بان يمتد الصراع في سوريا الى عام 2013. من الجانب الأخر، فان أمريكا لم تكون التوازنات الداخلية للنظام السوري ضمن محتوى مكانتها في توازنات الشرق الأوسط وفق مسار سياساتها.

من جانب اخر هناك خلاف العديد من الدول الأوروبية مع فرنسا على الصراع في سوريا. وكذلك هناك خطورة الصراع ومواجهة تقطب عالمي مع الصين وروسيا. وفي نفس الوقت هناك تناقضات بين تركيا وإسرائيل والعرب ضمن القطب. على الولايات المتحدة الأمريكية ان تراقب في كل هذا. وبالتالي فان القوى والدول التي تدعم القطب المنتظم كجبهة وطنية خارجيا وإقليميا متناقضة ومتخالفة. هناك خلاف بين أمريكا وأوروبا، وكذلك القوى الإقليمية تركيا والعرب وإسرائيل التي تعتمد عليها على خلاف، أما إخوان المسلمين الذين يعتبرون كأكثر القوى المؤثرة في القطب بالأغلب يعتمدون على تركيا. حيث يتضمن احتمال تحول سوريا إلى ولاية تركية من جراء إحراز إخوان المسلمين على الصلاحيات الكاملة في الحكم، وهذا ما لا تقبله أوروبا والعالم العربي ولا إسرائيل. والحال إذن، فان القطب الموجود، الجبهة الوطنية بوضعها هذا لا تتحلى بمزية إدارة رديفة من بدل الموجودة. وبالتالي يجب تغير توازنات القوى وإعادة بنائها ضمن القوى المعادية. مثلما تصدى العالم العربي في تحويل الجبهة الوطنية إلى سلطة نظرا لتأثير تركيا، فان إسرائيل أيضا تقف ضد ذلك بسبب الطابع الديني المفرط لمنظمة إخوان المسلمين، كونها وبهذه الخاصية تشكل خطرا على أمن إسرائيل. ان التوازنات الداخلية لسوريا ووجود قوة مسيحية ليست بقليلة الشأن في لبنان تزيد من أهمية توازن وطابع النظام في سوريا. إذن، يجب تغير توازن القوى الموجودة.

بالإضافة إلى ذلك هناك منسقية تغير سوريا، وقامت بتوحيد العديد من الشرائح والمثقفين والأوساط الديمقراطية بداخلها. والأكراد اجتماعيا على الأغلب يؤيدون هذا التنسيق وينضمون اليه. وقد ظهر هذا التنسيق كقوة بديلة لحكم البعث الموجود ولمعارضة الجبهة الوطنية. وبالطبع انه يلفت أنظار الكثير من القوى، وتعطي لبعض القوى من أمثال الصين وروسيا فرصة ممارسة السياسية ضد الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي يتبين بان المعارضة ليست موحدة ومتشتتة بداخلها ضد السلطة الحالية. وهذا بدوره يعيق قيام قوى مختلفة بالحملة والى نقصان قوتها.

من جانب اخر، هناك الصين وروسيا، وخط أو هلال شيعي يمتد من إيران والعراق إلى لبنان. وبذلك فان الصراع في سوريا يتحول الى صراع شيعي-سني على المستوى الإقليمي بأحد أبعاده. وإيران ترغب في تحويله إلى ذلك، وخاصة تسعى إلى بناء خط شيعي في العراق والخليج. وكلما قامت إيران بحماية قوتها الموجودة وأيدت سوريا وباتخاذ قوة الصين وروسيا، ستظهر لها إمكانية الصمود ضد القطب الأمريكي. كما ان عدم تحول التوازنات الداخلية السورية الموجودة بشكل يتناسب مع الولايات المتحدة الأمريكية، أوروبا، إسرائيل والدول العربية من جانب، ومقاومة سوريا بترقب ومتابعة التوازنات الداخلية والخارجية هذه من جانب اخر، يقف كعامل يعيق الناتو في بلوغ نتائج تدخله في سوريا. سيواجه في المكان الذي لم تتجاوز فيه هذه المشاكل التدخل بمواجهات عنيفة جدا. انطلاقا من ذلك فان التطورات في سوريا لن تكون مثلما حصلت في ليبيا او مصر. فلا يمكن إسقاط حكم بشار الأسد بالعصيان مثلما حصل في تونس ومصر ولا ظروف السقوط مهيأة لتدخل الناتو مثلما حدث في ليبيا. ان التدخل الخارجي يتطلب التفعيل من تأثير المعارضة الداخلية، تغير توازن القوى الموجودة، حدوث تغيرات في الوضع المتناقض المعاش وظهور علاقات واتفاقيات جديدة. وهذا بدوره ما دفع بالاشتباكات العسكرية والتدخل بالتراجع إلى الدرجة الثانية، وتقدم النشاطات السياسية والدبلوماسية الى الدرجة الأولى. تعيش سوريا الآن مرحلة صراع يسير بشكل متشابك، ويتقدم فيه البعد السياسي والدبلوماسي على البعد العسكري. ظهرت خطة عنان لتكوين مرحلة كهذه. كان الهدف من هذه الخطة هو وقف الاشتباكات العسكرية وضمان وقف إطلاق النار وحل القضايا بالسبل السياسية، لكن في جوهرها هي خطة تدخل وكسب الوقت للقوى الغير قادرة على شن الحملة لتسير فعالياتها العسكرية والدبلوماسية وإتمام استعداداتها للقيام بحملة تغير النظام في سوريا. ربما لا نستطيع التأكيد على شيء ما في هذه المرحلة، ولكن لا يوجد احد يؤمن بان تصل خطة عنان إلى النتيجة بوضعها الحالي، والكل يقبلها على مستوى معين ومرتبط بها. لقد دخلت الخطة حيز التنفيذ بأحد أبعادها ومستمرة. أما جوهر هذه الخطة فهو ممارسة سياسة المماطلة وإطالة المرحلة لغير القادرين على الحرب والصراع والقيام بالتغير في سوريا وفي وسط غير مستعد له العالم والمنطقة. والكل يماطل خصمه لكسب الوقت، وهذه الخطة هي خطة المماطلة، ومماطلة كل واحد للآخر. ويعتمدون عليه. الكل يقوم باستعداداته العسكرية ضمن هذا الإطار. وكذلك هناك فعاليات دبلوماسية كثيفة. فالكل يسعى إلى تقوية نفوذه عسكريا وتوسيع نطاق علاقاته واتفاقياته بالفعاليات الدبلوماسية وتضعيف خصمه وتصغيره ليكون على استعداد حملة. ويبدو بان الأشهر القليلة القادمة ستمر بهذا الشكل.

كانت حكومة العدالة والتنمية أي الإدارة التركية هي الوحيدة التي عارضت ذلك، وطلبت بتدخل عاجل وشن حرب تدخل على سوريا بدل هذا الوضع. لذا نجدها من أكثر القوى الإقليمية التي تصدت لسوريا مبكرا، لكن سرعان ما تهمشت بسبب تغير أمريكا لسياساتها أمام متطلبات العرب وإسرائيل وضغوطات إيران وروسيا والصين وإطالة المرحلة. حتى وان سعت إلى إثارة بعض الاستفزازات والمؤامرات لتلافي هامشها، لكنها تحت المراقبة الأمريكية وضمن نطاق تحكمها. والآن تسعى أمريكا إلى إعطاء دور حصان طروادة لحكومة العدالة والتنمية في هذه الحرب.   يبدو بان هذه المرحلة والشهور ستستمر على هذه الشاكلة، ولكن علينا ان لا ننسى، ستدخل أية قوى كانت إذا وسعت من علاقاتها واتفاقياتها ووصلت إلى مستوى اتخاذ النتيجة من التدخل عسكريا ولن تتراجع عن ذلك. ولو وجدت السلطة السورية نفسها بهذه القوة، وعقدت اتفاقا استراتيجيا مع إيران والصين للحصول على دعمهما، فستزيد من هجماتها لسحق المعارضة. وسيتدخل القطب الأمريكي إذا وصل المجلس الوطني إلى ذاك المستوى. يبدو بان النظام لن يتغير الحكم في سوريا من دون تدخل خارجي او حرب كبيرة. لا يمكن إسقاط هذه السلطة بحراك القوى الداخلية كما في تونس ومصر. وما تبقى فهو طريقين: إما حدوث حرب كبيرة او اتفاق جميع الممثلين الرئيسيين  الإقليمين والعالميين على سياسة وخطة واحدة. وسيحدث اتفاق، وإلا فان الاعتقاد بتطوير ثورة داخلية في سوريا وبذلك ستسقط الإدارة الحالية، ما هو إلا عدم رؤية الحقيقة. بدون ريب هناك ازمة سياسة جدية. وللمعارضة قوة معينة، ولكن لا يتخطى النظام السوري الحالي. ولا يبدو بأنها ستصل إلى ذلك في زمن قريب. او على الأقل يبدو ذلك مما حصل إلى الآن. جربت ذلك ولكنها لم تنجح فيه. وأرادت أمريكا تحقيق ذلك اعتمادا على النتائج المتمخضة من تونس والى مصر، لكن لم يحدث. والآن هل سيحدث اتفاق وبه سيتحقق إعادة بناء سوريا وكردستان، أم سيحدث بحرب كبيرة، فهذا ما ستبينه المرحلة القادمة. والفرصة متاحة لكلا الاحتماليين.

نضال الحركة التحررية الكردية في كافة الأجزاء الكردستانية متأثر بنسبة عالية من هذه التطورات والمستجدات الراهنة. فنحن أيضا نتأثر ونؤثر في هذه المرحلة، ونحن طرف فعال فيها، ولسنا بضعفاء او خائرين القوة. والكرد لا يمكنهم ان يكونوا خائرين في هذه المرحلة، بالأصل فكانوا كذلك في الحرب العالمية الأولى وخسروا، ولكن الآن فهم عكس ذلك بفضل نضالهم الديمقراطي المستمر بعصياناتهم الممتدة إلى تسعين عاما، فهم مسلحين بالوعي والتنظيم. وفي الأصل فان إعادة البناء ستدرج تخطي الوضع القديم للأكراد إلى جدول النقاشات. وبالتالي فنحن قوة فعالة. وان انضمامنا الفعال ضرورة ملحة ميدانيا أيضا.

انطلاقا من ذلك، علينا ان نعي أبعاد الصراع الدائر على سوريا إقليميا ودوليا وما تحمله من معنى لأجل كردستان. لو لاحظنا على هذه المرحلة سنرى بأنها مفتوحة لصراع كبير. وقد تتجه صوب ذلك. قد يحدث صراع عسكري في سوريا يتخطى ما تم معايشته في أعوام العشرين الاخيرة، ولكن لن تكون مثلما كان في الحربيين العالميتين الأولى والثانية. حيث تؤشر التناقضات والأطراف المتكونة على أساسه واستعداداتهم الراهنة إلى إمكانية حدوث ذلك. وبالتالي فهناك احتمال وقوع صراع شديد الحدة في الفترة القادمة. ولن تنحصر هذه الحرب ضمن الحدود المرسومة لسوريا الآن مثل ليبيا. إذا ما وقعت هذه الحرب ستكون كردستان زاوية منها وستحتوي العراق وستمتد إلى إيران، أما الزاوية الأخرى، فستكون لبنان والأردن وإسرائيل من دون نقاش. وبالتالي ستكون الحرب الواقعة ليست بحرب سورية، بل ستكون حرب الشرق الأوسط، وستضم جميع القوى الشرق الأوسطية. ولن تنحصر بها فحسب، بالطبع ستكون حرب عالمية، وسيشارك فيها كل من أمريكا وروسيا وأوروبا والصين. ان أكثر الأسواق الفعالة والكثيفة في سوريا اليوم تابعة للصين، ولأجل ان تجانس سوقها وتستمر به، ستكون من الأكثر القوى الفعالة في هذه الحرب. أما الجناح العسكري في سوريا فهو تابع لروسيا بالكامل، وحتى الآن هناك ضباط روس يديرون بعض الكتائب العسكرية في سوريا. لذا فان الحرب التي ستدخل في سوريا ستضم الروسيين مباشرة. وبالتالي إذا تغير النظام في سوريا بالحرب فستكون حربا عصيبة، وذات أبعاد إقليمية حتما. إذا ما حدثت حرب بهذا الشكل ستكون كردستان بأكملها داخل هذه الحرب. أما تركيا فهي موجودة فيها وستنضم أكثر.

هل ستشكل حربا كهذه خطرا على الشعب الكردي؟ بالطبع لن تكون مثلما حصل في السابق، ولا بقدر الموجودة في مرحلة الإنكار والإمحاء. حيث كانت مرحلة الإنكار والإمحاء من اخطر المراحل التي مر بها الشعب الكردي، وارتكب بحقهم إبادات ومذابح جماعية. ستضع حرب ثقيلة الأوزار بهذا الشكل أعباء تخريباتها على أكتاف المجتمع، لكنها ستتشتت النظام أكثر في كردستان. وستضع إعادة بناء كل شيء على جدول النقاشات.

إذا توحد الصف الكردي وانضم بفعالية إلى هذه الحرب، بمكانهم إسقاط النظام والخروج بنتيجة تخطي الإنكار والإمحاء في النهائية. والفرصة بأيديهم الآن. الحال إذن، لا يمكننا القول لن تحدث هذه الحرب، لأنها ليست بأيدينا. لذا علينا ان ندركها وبصواب، ونتطلع بنظرة صائبة الى أبعادها الدولية والإقليمية، ونُعرف ممثليها بصواب ونحدد صفوفنا، أي سنكون الى جانب مَن وضد مَن، ومع أية أطراف وعلى أية سوية يمكننا عقد العلاقات معهم، ونتبع سياسة صحيحة ضمن صف واحد. يجب ان يكون الموقف السياسي على هذه الشاكلة، ونستعد لحقيقة حرب كهذه.

أما بالنسبة للعلاقات بين الأكراد، الكونفرانس الوطني، المؤتمر، الإستراتيجية الوطنية وتمركز القوى، فيجب تناوله وفق ذلك. وبالتالي فان المواقف والتقربات الحالية نراها غير كافية. وخاصة التطورات التي تظهر في جنوب كردستان، تشير الى ان إدارة هولير لا ترى هذه الحقيقة البتة. حيث يتحلى مواقفها بالسطحية وضيق الأفق، وتابعة لقوى الغير ووراء المصالح السلطوية الضيقة، ولا ترى احتمال وقوع حرب كبيرة كهذه، ظنا منها بالقدرة على حماية سلطتها. فهي تسعى الى الحصول على سوية القيادة الوطنية كالذي يُهرب المال من ألسنة النيران، وتبذل قصارى جهدها لتطوير مصالحها على المستوى الوطني. فعقدت الكونفرانس الإعلامي من دون ان تبلغ أحدا به، وكونفرانس الشبيبة كان على هذه الشاكلة ايضا. كما أرادت التقرب من كونفرانس المرأة بهذه الطريقة، ويبدو بأنها تتقرب بنفس النمط من الكونفرانس الوطني. لكننا رفضنا وكحركة نتخذ موقفا من ذلك. قيمنا هذا كمفهوم جدي وخطير في نقاشاتنا وتحليلاتنا. وبالأصل فاننا حللناه كموقف يحتوي على خطورة الفشل وعدم رؤية الحقيقة التاريخية لأجل مصالح بسيطة محلية وعشائرية كالموقف المشابه للموقف الكردي قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، ونجده خطير للغاية.

اما البعد الآخر فهو المساومة مع دول المنطقة كتركيا والقوى العالمية، وهذا الوضع جدي للغاية، بدوره سيهيأ بنية في المنطقة بقدر الحرب، وسيؤثر سلبا على وضع الكرد وكردستان ومركزهم. وقد يكون الكرد مؤثرين وفعالين في الحرب، نظرا لأرضية الحرب الموجودة. ان البحث في اتفاق لا مبدأي من دون الاعتماد على وحدة الكرد في وسط يتقدم فيه النشاط السياسي والدبلوماسي إلى الأمام، يؤدي الى إنهاك القوة الموجودة أكثر. كون للكل دولهم ومعروفين، وتوجد علاقات ما بين الدول، لكن لا يوجد للكرد أية ممثلية بسبب مرحلة الإنكار والإبادة سابقا. فوضع إدارة جنوب كردستان واضح للعيان. الظروف المرحلية أدى إلى تشكيل نظام بهذا الشكل. وبالأصل فانه أَوجد اعتمادا على مقاومة حزب العمال الكردستاني ويعيش بها، ولكن كيف ظهر وعلى ماذا يعتمد في صموده، فهي منفصلة عن الحقائق إلى درجة المجهول. في الأصل ان الإدارة في جنوب كردستان بعيدة عن الشمولية السياسية والتطلع المستقبلي. وبالتالي فان التقدم بمفهوم ضيق على ممثلية بعيدة عن وحدة الكرد يعني فقدان الثقل السياسي والدبلوماسي منذ البداية.

لكن لا نقول مادام الوضع بهذا الشكل سنؤيد النزاع، فنحن لا نؤيدها. حيث أراد القائد "عبدالله أوجلان" تطوير الاتفاق اعتمادا على كردستان بدل النزاع ويمثله، وطرح مبادئ حل القضية الكردية. ان البروتوكولات التي قدمها لحكومة حزب العدالة والتنمية تعبر عن ذلك، لكن الدولة التركية لم تقبل به. وكذلك رفضتها كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ووحدت صفوفها لتصعيد هجماتها ضد القيادة، وما الأشهر العشرة الاخيرة إلا تعبير على ذلك. يبدو الكل هادئين البال أمام كل هذه الهجمات والانتهاكات الحقوقية والتعذيب والقمع ضد شعبنا وقيادتنا، ويذكرون علنا " لا تكفي قوتنا، وهذا وحده لا نستطيع القيام به، لا تضغطوا علينا أكثر من ذلك". إذن، فأنهم متوحدين في معاداة القيادة. ان التقرب السطحي لإدارة جنوب كردستان من جانب، ورفضها لنهج الحل الذي طرحه القائد "عبدالله أوجلان" لتخطي هذه السطحية، بالطبع مسالة هامة بالنسبة للكرد.

إذن، ما هي مستلزمات تخطي السطحية وضيق الأفق والحقيقة الرافضة للقائد في إدارة جنوب كردستان؟ في البداية ينبغي بناء وحدة كردية وطنية ديمقراطية هادفة إلى إعادة البناء اعتمادا على نهج حرية ودمقرطة كردستان والمنطقة وتحويله إلى سياسة وإستراتيجية. ولأجل ذلك طرح القائد "عبدالله أوجلان" خمسة مبادئ وثلاثة مقترحات حل عملية، وذكر:" إذا تحقق المؤتمر الوطني الكردي على هذا الأساس وتحققت الوحدة الكردية، سيتمكن الكرد من التحول إلى طرف سياسي فعال وممثل سياسي في بحث المنطقة عن وفاق محتمل وسيتم تخطي ضعف الجنوب ورفض المقاومة الكردية في الشمال من قبل النظام". وهذا ما أراد القائد "عبدالله أوجلان" التعبير عنه بطرحه المبادئ الخمسة والمقترحات العملية الثلاثة لأجل المؤتمر او الكونفرانس الوطني. ويتضمن استعداد الكرد في جميع الأجزاء الكردستانية للوحدة الوطنية في هذه المرحلة.

لكن لم يتحقق ذلك. فهناك موقف معادي وجهود تبذل لإفشاله وتمييعه. حتى وإن لم يكن هناك رفض قطعي حاليا بشأن مؤتمر كهذا ولكن لم يتبقى سوى إفراغه من محتواه. وموقف حكومة جنوب كردستان يعبر عن ذلك، لذا فهو موقف خطير ببعده هذا.  ويبدو بانه خداع للكرد من جديد. أنهم سيبنون دولة مستقلة عبر حزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في الجنوب إذا رُفض النضال في الشمال واتُخذ موقفا معاديا من حزب العمال الكردستاني. على الكل ان يدرك بأنه لعبة وخيال ورياء. خاصة إذا ما ضعفت مقاومة حزب العمال الكردستاني هل ستبقى الدولة في هولير؟ ام انه بحث عن مكان لعيش برزاني الابن مثل ذهاب برزاني الأب إلى موسكو؟ فهل وعينا التاريخي قليل الى هذا المستوى؟ هل سنتناول النزاع على السلطة بأفق ضيق وبنظرة سطحية الى هذا الحد؟ هل النضال المستمر في كردستان عاجز الى درجة عدم استخراج العبر من تاريخه؟ كلا، لو كان كذلك، فلن نتمكن من القيام بأي عمل صائب. اليوم أيضا سيريدون فعل ما فعلوه بالذين أرادوا حماية سلطتهم مثل شريف باشا الذي خدعوه في لوزان وحسان خيري في أنقرة، حيث جعلوهم عملاء وبعدما انهوا عملهم قضوا عليهم. إذا ما ضعفت المقاومة الكردية والتنظيم الكردي ستكون النتيجة نفسها، وعلى الكل ان لا يكون له أدنى شك في ذلك. لذا ينبغي الحذر والحيطة حتما.

يجب اتخاذ تدابيرنا في المرحلة التي نمر بها. حيث يتم إعادة بناء المنطقة، وهناك أوضاع مشابهة لما حصل في  وسط ونهاية الحرب العالمية الأولى ضمن حرب عالمية، وسيتم إعادة بناء المنطقة. لذا فأمامنا احتمالين، إما صراع إقليمي او اتفاقيات كبيرة. لذا حتى يكون الكرد على استعداد لهذين الاحتمالين، يجب تحقيق وحدة وطنية والتحلي بقوة عسكرية وسياسية وأتباع سياسة صحيحة. هذا ضروري لأجل تخطي الإنكار والإمحاء وسقوط نظام الإبادة العرقية والثقافية وإحراز الكرد على مركز لهم والتحول إلى شعب حر ديمقراطي. ولن يكون ذلك محدود ضمن نطاق المصالح الكردية فحسب، لان تحقيق حرية ووحدة وأخوة شعوب الشرق الأوسط مرتبط به، إلى جانب خلاصه من ضغوطات القوى الخارجية واستعماريته والتشتت المعتمد عليه والتجزئة مرتبط به ايضا. انه ليس بمصير الشعب الكردي فحسب، بل ان مصير شعوب الشرق الأوسط مرتبط بتطلع السياسة الكردية على هذه الحقائق في كردستان وكسب طابع حر ديمقراطي أيضا.

بالطبع ان التطورات في تركيا ايضا تحمل أهمية بالغة. كما ان النضال في شمال كردستان ستحدد مسار المركز الكردي الذي سيتشكل في الأجزاء الكردستانية الأخرى. علينا ان نكون متأكدين تماما بان الدولة التركية في مأزق كبير في شمال كردستان. وحكومة العدالة والتنمية في مأزق داخليا وخارجيا، حيث  بدأت من منطلق تصفير المشاكل مع الجيران والآن في حالة نزاع مع الكل، وكادت ان تصل الى محاربة جميع شعوب الشرق الأوسط بدولها، وداخليا في حالة نزاع على السلطة. وما استمرارها إلا بمساندة أمريكا ودعمها. تحاول تهميش معارضيها والتحكم بالجيش والقضاء والبيروقراطية المدنية، ولكن لا ينبع ذلك من قوتها تحديدا، بل نابع من دعم ومساندة الولايات المتحدة الأمريكية لها. بدون شك لهذا الدعم حدوده، وثمنه. لو كانت أمريكا تعطيها شيء فتطالب بعشرة. ولدى دعمها قليلا لتقوية حكمها داخليا وحتى تحارب ضد حزب العمال الكردستاني، أودت بها الى حالة نزاع مع الكل في المنطقة ضمن نطاق مصالحها. ولا مستقبل لتركيا ضمن حرب كهذه. ومثلما سخرت أمريكا البعض لخدمة مصالحها ولتوسيع نفوذها وتركتهم لحال سبيلهم بعد ذلك، ستفعل الشيء نفسه بحكومة العدالة والتنمية وستلاقي نفس المصير. علينا ان لا ننسى بان عصابة الأرغنكون الحالية كانت تدعم من قبل أمريكا قبل عشرين عاما، وكما أنها دعمت صدام في حربه ضد إيران قبل ثلاثين عاما، ونظام مصر كان بمثابة عميل لها بهدف توسيع نفوذها في العالم العربي في الشرق الأوسط. إذن، ماذا حصل لكل هذا؟ سقط نظام مبارك وكذلك صدام حسين، أما مصير حكومة العدالة والتنمية فلن يكون مغايرا عن مصير هذه الأنظمة.

في الحقيقة ان حكومة العدالة والتنمية ضعيفة سياسيا وعسكريا، وأمريكا والناتو هما المسند الوحيد لها. كما تسعى إلى ان يقف كل من حزب الديمقراطي الكردستاني وحزب القومي الكردستاني ضدنا اعتمادا على أمريكا والناتو وبالضغط عليهم. وإذا لم يحدث ذلك، فستحاول مماطلتنا وإعاقتنا وإيقاف نضالنا من خلالهما. بالطبع فنحن حذرين تجاه القوتين، واعين ومستعدين. وكذلك لهما موقف معين ومستوى من الحذر. لماذا سيقعون في الاشتباك مع حزب العمال الكردستاني لصالح العدالة والتنمية؟ لماذا سيشكلان عقبة أمام النضال التحرري الشعبي الكردستاني في الشمال وبلوغه الى حياة حرة ديمقراطية؟ فلا مكسب لهما من وراء ذلك. بالعكس، ان إعاقة حزب العمال الكردستاني وتراجع نضاله في شمال كردستان يعني تضيق الخناق على إدارة جنوب كردستان ومحاصرته ووقوعه في مأزق كبير. وإذا ما ضعفت الحركة التحررية الكردية سيقع الحزبان في وضع عصيب، ومن الواضح لن يبقى اي مسند لهما. مع تصاعد الشعب الكردي نضاله في شمال كردستان فانه يقدم اكبر دعم لإدارة جنوب كردستان. ان المقاومة في شمال كردستان هي التي ضمنت ظهور المركز الكردي الحالي وتحافظ عليه حتما، والكل يرى هذه الحقيقة. انطلاقا من ذلك فان المساعي التركية في إيقاع الكرد بالكرد عبر جر إدارة جنوب كردستان الى جانبها بمساندة أمريكية بحث من دون جدوى. المجتمع والشعب الكردي لن يسمح بذلك. اما الحركات السياسية الكردية فأنها تتجنب النزاع الداخلي المسماة بـ "الاقتتال الأخوي" كالسابق. ومن هذا المنطلق فان جهود العدالة والتنمية ستذهب أدراج الرياح.

لم يتبقى لحزب العدالة والتنمية أية دعائم سوى الدعم الأمريكي، ولكننا كما ذكرنا لهذا الدعم حدود وثمن. إذا لم توافق حكومة العدالة والتنمية على الحل الذي طرحه القائد "عبدالله أوجلان"، ولم تحل القضية الكردية وفق طرحه وبالتالي لم تحول تركيا إلى مجتمع حر وذو إرادة، ستدخل تركيا الحرب كجندي أمريكي وفق مسار مصالحها في الشرق الأوسط. ومثلما ستقضي هذه الحرب على قوة العدالة والتنمية والدولة التركية، فستتركها عرضة للانهيار في نهاية المطاف. تركيا محكومة بالتشتت والزوال في هذه الحرب، إذا لم يتم حل القضية الكردية وفق نهج القائد "عبدالله أوجلان".

بذل القائد "عبدالله أوجلان" جهود حثيثة حتى لا يصل الحال الى ما آل إليه الآن. وقد سنحت حركتنا فرص كبيرة لتركيا حتى تتخلص مما عليه الان، الى جانب تحذير قيادتنا حكومة العدالة والتنمية مرارا وتكرارا، والإشارة الى المخاطر المحتملة حتى تتجنب الوقوع فيه، لكن إذا لم تصغي فلا الحركة التحررية الكردية ولا الشعب الكردي مسؤولان عن ما ستؤول إليه مستقبلا. تقدم الكرد بخير الأمثلة على الأخوة والحياة المشتركة والجيرة إذا ما كان يقال عنهم أخوة وجيرة ويدعوهم للعيش المشترك. وبالرغم من مرورهم بمصاعب جمة، لم ينقلوها الى جيرانهم ولم يتحولوا الى أداة للنزاع وتضعيف الغير بمنطلق الحقد والغضب، إلا أنهم لن يسمحوا بقضاء الغير عليهم او إعاقة سبيل حريتهم.

المرحلة الراهنة لا تشبه سابقاتها، فهناك حرب عالمية ثالثة ويتم إعادة بناء الشرق الأوسط، وسيكون للكرد موقعا في البنية الجديدة. سيتحقق هذا البناء عبر كردستان حرة. مثلما تشكل الشرق الأوسط القديم في الحرب العالمية الأولى على نظام تجزئة كردستان وإنكار وإبادة الكرد، فسيبنى الشرق الأوسط الجديد على أساس حرية ودمقرطة كردستان. وتؤكد التطورات في الجنوب والغرب على ذلك بوضوح، والنضال الذي يسير في شمال كردستان بقيادة القائد "عبدالله أوجلان" منذ أربعين عاما من اكبر الضمانات والدلائل عليه. وكذلك متطلبات ورغبات الشعب في الحرية في شرقي كردستان تبين لنا هذه الحقيقة بكل شفافيتها.

وكخلاصة، تعاني حكومة العدالة والتنمية المتباهية بالقوة من مصاعب جمة وليست الحركة التحررية الكردستانية والشعب الكردي. حيث ارتبطت بأمريكا والناتو من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، وعلى نزاع على كافة الأصعدة في الشرق الأوسط. وتحولت الى عدوة لجميع جيرانها. أي النزاع على السلطة هو الحاكم الآن في تركيا. لا سبيل أخر لخلاص حكومة العدالة والتنمية وتركيا سوى حل القضية الكردية. وبمكان تركيا ان تتخلص من وضعها السلبي وتوجهها السيئ إذا ما قامت بحل القضية الكردية وحققت دمقرطة تركيا على نهج ماهر ودنيز وإبراهيم وأمثالهم من القادة.

اما الوضع الكردي مقابل هذا، فهو أفضل بكثير الى درجة لا يمكن مقارنته مع السابق بالرغم من اعباء الحرب. فهناك نقاش تدور حول استقلالية كردستان في الجنوب ربما تكون ضمن نطاق مواقف خاطئة وضيقة. والشعب في شمال كردستان يعيش ضمن حقيقة مجتمع حر ديمقراطي. فقد وصل الى سوية امة ديمقراطية واعية ومنظمة. وبذلك ينشأ كردستان حرة. اما غرب كردستان فيعيش في أجواء الثورة، وكأن التطورات في غرب كردستان وسوريا ستؤدي الى ظهور نموذج لكردستان حرة وترسيخ العلاقة والصداقة الكردية-العربية. بالطبع فالاثنين معا سيضمن حل القضية الكردية في شمال كردستان حلا ديمقراطيا. والظروف والإمكانات الحالية مهيأة لذلك، اما تحقيقه فسيتم بتلبية مهام الحرب الثورية الشعبية لاستبعاد حكومة العدالة والتنمية عن التوجه الخطير والضغط عليها وانهزامها. تتطلب الظروف الراهنة حرب شعبية ثورية بكل أبعادها. تنادينا مقاومة القائد "عبدالله أوجلان" بتحقيق خطواتنا على هذا المسار، والشعب المقاوم يوميا ضد فاشية العدالة والتنمية يدعو الكريلا  الى الانتقام، وكذلك رفاقنا في السجون ومقاومة القوى الديمقراطية يطلبون منا ذلك. 

Last modified on الثلاثاء, 15 كانون2/يناير 2019 11:20