الأمة الديمقراطية المعاصرة والنزعة القومية

14 كانون2 2019
161 times

 

إذا كان الأكراد جزء من الأمة فتعالوا نعيش كأخوة بعيدا عن ذهنية الدولة التي سممت الشرق الأوسط...

 

مصطفى قره سو

انطلقت الديانة المسيحية والإسلامية  كأديان كونية تخاطب العالم باكلمه، فحتى وان ظهرت اليهودية كدين نذير لقوم واحد ولكن الديانتين الأخيرتين كانت رسالة للإنسانية جمعاء. بلا ريب، السبب في ظهور المسيحية والإسلامية كأديان كونية على مسرح التاريخ في أساسه يعود إلى عولمة الاستعمار والقمع وانتشاره في جميع أصقاع العالم، وبانتشار وتوسع هذين الدينين تحولت القضايا الاجتماعية إلى قضايا عمومية وعالمية ايضا. انطلاقا من ذلك، فان ظهور المسيحية والإسلامية  على مسرح التاريخ لم تتناول مشاكل الإنسان والمجتمع كقضية قوم بل كقضية جميع الإنسانية، ويعود انتشارهما في جميع أنحاء العالم إلى طابعهما الكوني.

الإسلام ثاني اكبر دين الهي توحيدي في النسبة السكانية من بعد المسيحية، حيث توسعت في جميع أصقاع العالم وعلى رأسه  في الشرق الأوسط وأفريقيا، ونادت جميع المجتمعات سوية من دون التفرقة في الأصل واللغة والأمة والقومية والجنس ولون البشرة. ومن هذه الناحية تنعدم العنصرية والنزعة القومية في الإسلام من هذه الناحية وكما يذكر في القرآن الكريم "لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى". بلا شك، ظهر الإسلام على أراضي عربية، والنبي محمد "ص" عربي الأصل، لذا فالعرب أوائل من آمنوا بالدين الإسلامي  وبذلوا جهود مضنية في انتشاره، وهذا بدوره ما ضمن من استمرارية الثقافة العربية بتأثيرها ضمن الإسلام. للعرب اليوم أيضا مكانة هامة ضمنه، إلا انه من بعد تطور الإسلام انضمت الكثير من الشعوب إليها فيما بعد، حيث انتشر الإسلام بين صفوف الفرس والكرد والأتراك لتصل إلى أتراك آسيا الوسطى، البرابرة، الأفغان، الباكستانيين، الأندنوزيين، الماليزيين والفلبيين. استقبلت هذه الشعوب والجماعات الدين الإسلامي  لوجود الأخوة فيه وإيمانا بعدم وجود التميز والتفرقة. وقد لعب مفهوم الأخوة في الدين أي الأمة دور هام في العهد الأول من انتشار الإسلام. كان المنضمين إلى الأمة الإسلامي ة  سواسية ولا يتعرضون لأي تميز عنصري او عرقي، وقد انتشر في مساحات واسعة النطاق من العالم بسبب طابعه هذا. لو كان الإسلام دين لقوم واحد او وضع فرق بين صفوف المسلمين فلم يكن سيتبناه الجماعات المختلفة. ومن هذه الناحية فالذين لعبوا دورا في نشر الدين الإسلامي   وضمانها استخدموا لغة كونية، وأعطوا رسائل كونية مفادها البحث عن الحق والعدالة والتصدي للظلم وبأنهم سيمثلون جميع المضطهدين.

تعرضت الشعوب في المراحل التي سبقت المسيحية والإسلامية إلى ظلم وقمع المستعمرين وإلى الآلام والفقر والبؤس الشديدين، حيث كان الديكتاتوريين والظالمين ينتهكون بحقوق الإنسان ويغتصبون كدح وجهد الناس، ويمارسون الظلم والعنف وفق أهوائهم. استجابت الإنسانية لرسالة الأنبياء الباحثين عن الحق والعدالة والمساواة في المقاومة ضد الظلم والطغيان استجابة حسنة، وذلك للتخلص من كافة أنواع العنف والظلم والاستبداد. ان السبب الرئيسي في انتشار المسيحية بهذا المستوى يعود إلى ظلم امبراطورية روما العبودية وأنين الإنسانية من جراء ممارساتها، لهذا فانطلقت في الأراضي الواقعة تحت حكم روما ومن ثم انتشرت في جميع أصقاعها، واستطاعت أن تفتح روما بالكامل في النهاية. فحتى الملوك الرومان اضطروا إلى قبول المسيحية، ظناُ بالزوال في حال العكس، لكنهم لم يتوانوا في سد الأبواب أمام هذا الدين الذي تصدى للظلم بالحق والعدالة وذلك عبر تحويله إلى دين الدولة او الدين الحاكم ووضعه في خدمة المهيمنين. علما بأن المسيحية انحرفت عن جوهرها الأصلي مع تدولها والتعرف على الدولة. وكذلك الدين الإسلامي  أيضا، حيث ابتعد عن طابعه كدين مطالب بالحق والعدالة والمساواة والحرية من بعد تحوله إلى دين الدولة. وحتى لو كان الدين الإسلامي  يستمر بوجود قيمه وشرائعه ضمن المجتمع، إلا ان ما يقوم به دين الدولة من أعمال باسم الإسلام بعيد عن الحق والعدالة ومتحول إلى أداة ضغط على المجتمع.

بلا شك، سعت الكثير من المذاهب والطرائق التي خرجت من ضمن المسيحية إلى الدفاع عن رسالتها ونشرها بين العامة، إلا أنها دخلت عهدا جديدا من بعد ان حولتها روما إلى ديانة رسمية للدولة. وبذلك فقدت المسيحية جاذبيتها السابقة بين صفوف المضطهدين. لم تكن الإسلامي ة  ستنشأ كدين، إذا لم تكن المسيحية قد تحولت إلى دين الدولة ولم تفقد جاذبيتها السابقة وقابليتها في حل القضايا الاجتماعية بالطابع الدولتي. هناك بالتأكيد صلة ما بين ظهور الدين الإسلامي  وتحول المسيحية إلى دين الدولة، فبعد ان تحول الأخير إلى دين الدولة، بحثت الشعوب مجددا عن الحق والعدالة، وكان النبي "ص" هو المستجيب لندائهم. لذا فالتف حول النبي "ص" ودينه الإسلامي  في هذه المرة جميع الذين أرادوا التخلص من ظلم الإمبراطوريات والظالمين المستعمرين،  وبه توسع وتعاظم دينه على هذه الأرضية الموضوعية ليكون دينا عالميا.      

يستمر الإسلام بتأثيره على الإنسانية منذ 1400عام، حيث تطور وانتشر في مناطق شاسعة لتظهر بحقيقة حضارة عريقة. ولهذا كله صلة مباشرة مع مفهوم الأمة في الإسلام. فمثلما انتشرت الاشتراكية بالمفهوم الاممي في جميع أصقاع العالم، فان الإسلام ايضا أصبح دين عظيم بالأممية وأخوة الدين إلى جانب مناداة جميع البشرية بغض النظر عن الاختلاف العرقي واللغوي والجنسي. أصبحت الأمة من اكبر أسلحة وقيم وتقاليد وشرائع الإسلام، ليستمر هذا المفهوم إلى راهننا. الأممية قيمة كريمة، لذا فكان بمستطاع الإسلام حل الكثير من المشاكل والقضايا بين الشعوب والمجتمعات منذ أولى مراحل نشأته. كان هناك تشارك وأخوة بين الشعوب وتبادل الثقافات والتدفق الاقتصادي عبر الذهنية الأممية، كما تعاظمت الحضارة الإسلامية  مع تطور العلاقات الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية عبر الشعوب المتنوعة الثقافات. لو انحصر الإسلام في العالم العربي فحسب، لم يكن بالوسع التحدث عن حضارة إسلامية. حيث تخمرت ونمت هذه الحضارة بالتبادل الثقافي والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، لان هناك قيم فاضلة ورائعة لكل شعب وأمة، له قيم ثقافية، طاقة اقتصادية مفهوم للحياة الاجتماعية. وقد حصل علاقة وثيقة فيما بينهم. تطور علاقة جدا وثيقة بين العرب ـ الكرد، العرب والترك، الترك والكرد، الفرس والكرد، الأفغانيين والفرس، الأفغانيين والعرب، الباكستانيين والفرس. وقد طالت هذه العلاقات لتمتد إلى الشعوب والأمم والجماعات التي تبنت الإسلام. وهذا بدوره أيضا أدى إلى ظهور تبادل ثقافي واقتصادي واجتماعي في نفس الوقت. إذا لم يكن هذا موجودا فهل كان بإمكاننا التحدث عن حضارة إسلامية عظيمة؟

إلى جانب تطور العلاقات بين الشعوب عبر مفهوم الأمة، فاوجد الحلول لقضايا الشعوب أيضا وضمن تعايشا سلميا فيما بينها. وبالأصل، فان الدين الإسلامي  ظهر على مسرح التاريخ كرسالة سلام وكان له تأثيرا كبيرا، لا يمكن لأحد التطلع سلبا إلى مفهوم وثقافة الأمة التي نشرتها الإسلام في الشرق الأوسط، كون هذه الثقافة من أهم القيم الاجتماعية. الأممية قيمة بالغة الأهمية للشعوب المسلمة، وبالإمكان حل الكثير من القضايا الموجودة بين صفوف الشعوب المسلمة في الشرق الأوسط بهذه القيمة الكفوءة بحلها.

بلا شك، ألحقت الذهنية الدولتية أو الدولة الحاكمة والقوم الحاكم أضرارا جسيمة بمفهوم الأمة، فالأتراك كانوا الشعب الأول في الإمبراطورية العثمانية، والشعب الفارسي هو الأول في الإمبراطوريتين البرثية والساسانية والقوة الأولى في إدارة أجهزة الدولة، والعرب كانوا الأساس في الإمبراطوريتين الأموية والعباسية. وهذا بدوره جاء بامتيازات وفرص تهيئية مختلفة للشعوب المذكورة، ولكن بالرغم من ذلك لم تُستخدم هذه الامتيازات والفرص ضمن إطار هدف وسياسة لإنكار الشعوب والقضاء عليها إلى حين عهد الحداثة الرأسمالية، ولم تتبع هذه الإمبراطوريات سياسة وخطط للقضاء على الكرد، الترك، العرب، الآزريين والبلوجيين وتشكيل الإمبراطورية من قومية واحدة وعرق واحد على أراضيها. فحتى في عهد الإمبراطوريات العظمى التي استخدمت الدين كأداة للسياسة، استمر مفهوم الأمة وحافظ على تأثيره ولو على الأقل في القاعدة الاجتماعية وبين صفوف الشعوب المسلمة.

أصيب الدين الإسلامي بعدوى الدولة مع الأمويين، وبه انحرف الإسلام عن جوهر الكثير من قيمه وشرائعه الحقيقية، وأفرغت الكثير من المصطلحات جوهريا وتحولت القيم إلى قشرة لا غير. ومن هذه الناحية، عندما توحد الإسلام مع الدولة وأصبح دين الدولة انقطع عن الكثير من قيمه الذي كان يتمتع به في بداية ظهوره كالحق والعدالة والمساواة لتتحول إلى مصطلحات في خدمة الدولة، كما الديانة المسيحية التي ابتعدت عن طابعها وجوهرها وقيمها كالحق والعدالة والمساواة عندما توحدت مع الدولة وأصبحت الدين الرسمي لروما. بعدما تحول الإسلام إلى دين الدولة ووسيلة إيديولوجية، استخدمت الإمبراطوريات المذكورة مفهوم الأممية كوسيلة للتحكم بالشعوب المسلمة والاستمرار بسلطتها. كما حولها إلى مصطلح سلطوي لثني الإرادة والخضوع وعدم التصدي لها. اي سيقوم الذين من الأمة الإسلامية  بمبايعة الأمويين  والساسانيين وسينحنون أمام العثمانية. اي فصلوا مصطلح الأمة عن ذهنية أخوة الشعوب ليحولوها إلى مبايعة الدولة.

فقد الإسلام خصائصه الإسلامية من الناحية الجوهرية مع الارتباط بالدولة والتعامل معها، وتحول إلى مصطلح في خدمة الدولة. وحتى وصل الحال به إلى استخدام الكثير من مصطلحاته وقيمه وشرائعه في لعب دور سلبي ضد القيم الاجتماعية في البعض من الجوانب، إلا ان من بعد تحول الإسلام إلى دين الدولة استمرت ظاهرة الأمة بدورها الايجابي في العلاقات بين المجتمعات. ومن هذه الناحية استمرت رابطة الأخوة بين الشعوب المسلمة بنسبة معينة إلى ما قبل الحداثة الرأسمالية. فلم يكن هناك عداوة او سياسة ترفض وتنبذ الشعوب بعضها البعض، حتى وإن وجدت سلبيات مختلفة او حازت البعض من الشعوب ضمن الإمبراطوريات المذكورة على إمكانيات وفرص للتطور.

تغير الحال من  بعد ظهور الحداثة الرأسمالية. ان الدولة القومية من أهم وسائل الحداثة الرأسمالية، وحولتها إلى صيغة لتطورها. حيث حولت الدولة القومية وإيديولوجيتها المتمثلة في النزعة القوموية إلى دين جديد. ولكي تقوم البرجوازية صاحبة الإنتاج الرأسمالي ومستعمريها بإنشاء احتكاراتها في المناطق المستعمرة، قَدست ظاهرة الدولة. ومن هذه الناحية بنى الفرنسيين الدولة القومية الفرنسية، والألمانيين الدولة القومية الألمانية، الايطاليين الدولة القومية الايطالية، ورفعوا من شانها إلى درجة القداسة بحيث لا يمكن التعرض لها. ودافعوا عن ذلك بالإيديولوجية القوموية. مع ظهور ظاهرة الدولة القومية والقوموية تفسخت العلاقات الأخوية بين المؤمنين بالديانات الكونية من مسيحيين ومسلمين.

بالطبع كان هناك خلافات مذهبية في السابق ايضا، وهدرت دماء كثيرة وخاصة أثناء النزاعات والخلافات المذهبية في أوروبا، ولكن وجدت مصالح اقتصادية واجتماعية ونزاع على السلطة وراء هذه الخلافات، وقد استخدمت العديد من قوى السلطة مذاهبها كأداة إيديولوجية لتفتح المجال أمام نزاع كهذا. بلا ريب لا يمكن ان نذكر نفس الشيء عن جميع المذاهب والطرائق المسيحية والإسلامية، فدافعت البعض منها عن المجتمع من بعد تدول الدين وتشويهه وتصدوا لهذه النزعة. تمخضت نتائج وخيمة في الشرق الأوسط من جراء الذهنية الداعية إلى وجود دولة لكل قومية او ضرورة اعتماد كل دولة على قومية. لقد بدأت مرحلة الصراع والنزاع بين شعوب الشرق الأوسط مع دخول الحداثة الرأسمالية، لتشجيعها على الدولة القومية والقوموية. حيث نشرت نزعة الدولة القومية اي لكل قومية دولة على حدا، للعرب دولة وللفارسيين دولة وللأتراك دولة وللأكراد دولة كفتنة في الشرق الأوسط. وبهذه النزعة وجد أصحاب القومية الحاكمة من قمع قومية لأخرى وحتى إبادتها عرقيا وثقافيا من ضروريات ذهنية الدولة القومية. حيث سعى أصحاب الحداثة الرأسمالية إلى اقتحام الشرق الأوسط بقيم الحداثة الرأسمالية والامبريالية حتى تبني هيمنتها على النزاع الذي خلقته بين الشعوب، وعلما بأن الشعوب تضررت كثيرا في القرنين الأخيرين جراء ذلك.

بلا ريب، سحق الفرس أقوام مختلفة في مرحلة الإمبراطورية الأموية والعثمانية، وقد تضررت من ذلك كثيرا. كان هناك هيمنة الأتراك في عهد الإمبراطورية العثمانية، وهيمنة العرب في الإمبراطورية العربية، وهيمنة الفرس في عهد الإمبراطورية الساسانية، إلا انه لم يكن هناك اي حكما هداما او قامعا بقدر ما هو عليه في مرحلة الحداثة الرأسمالية. فأكثر المراحل التي ألحقت فيها الإمبراطورية العثمانية الأضرار بالشعوب هي المرحلة التي تلت تعارفها بالرأسمالية الأوروبية. حتى وان بلغ المفهوم الاقتصادي والاجتماعي للرأسمالية متأخرا إلى الأراضي العثمانية، لكن دخلت فتنة الدولة القومية إلى الإمبراطورية العثمانية في قرن التاسع عشر، وزاد من هيمنة وقمع الأتراك الحاكمين في الدولة على الشعوب الأخرى. وبهذا زاد استياء جميع الشعوب وعلى رأسهم شعوب الغرب وتلك التي كانت تعيش على الأراضي العثمانية في قرن الثامن عشر ضد الإمبراطورية العثمانية. ولا يمكننا ان نفيد عن هذا الاستياء بدخول الشعوب الغربية تحت تأثير الحداثة الرأسمالية مبكرا فحسب، فكان لهذا تأثيره، ولكن لم يكن من جانب واحد. فلم تدخل الشعوب المسيحية في البلقان لوحدها تحت تأثير الحداثة الرأسمالية، حيث ظهرت نتائج ذهنية الحداثة الرأسمالية بالذات في الجنود والبيروقراطية المدنية للدولة العثمانية أيضا.

ان بداية الحروب العثمانية في المناطق المسماة بأرض روم ليس بمحض الصدفة، فقد وقعت هذه الحرب بسبب تأثر الطرفين بالحداثة الرأسمالية، وكان انعكاسها الممتد إلى العرب والأكراد ذو طابع مزدوج. ان التشخيصات القائمة على ان الحداثة الرأسمالية دخلت الشرق الأوسط وأثرت على العرب والكرد، وتطورت القوموية والنزعة العنصرية وفتحت الطريق أمام النزاعات والصراعات فحسب، تشخيصات خاطئة، لأنه ظهرت من بعدما تعرف العثمانيون عليها ذهنيا وميدانيا. مع دخول الحداثة الرأسمالية الشرق الأوسط وتأثيرها على الذهنية العثمانية، بدأت مرحلة نزاع القوميات المختلفة بذهنية الدولة القومية في قرن الثامن عشر. قضت الحداثة الرأسمالية من هذه الناحية على كافة المواقف والمبادرات القادرة على إيجاد حلول للقضايا الاجتماعية المختلفة ضمن إطار مفهوم الأمة. استهدفت القوميات الحاكمة وخاصة الأتراك والعرب والفرس تشكيل دولتهم القومية منذ ان تدخلت الحداثة الرأسمالية في الشرق الأوسط وإلى راهننا، وكانت النتيجة إلحاق أضرار فادحة بالجماعات الغير تركية والغير عربية والغير فارسية، وبالطبع كان للكرد نصيب اكبر من هذا الضرر.

تضررت شعوب أخرى جراء ذهنية الدولة القومية والقوموية اللتان تدخلتا في الشرق الأوسط، ولكن الشعب الكردي تضرر أكثر وتعرض لأكبر أنواع الظلم والقمع، وخاصة كان على وشك الزوال في الربع الأخير من قرن العشرين. لذا يجب التحري في نزعة الدولة القومية للحداثة الرأسمالية والأضرار التي ألحقتها فتنة القوموية بشعوب الشرق الأوسط ومجتمعاته على نطاق واسع. فلم تجلب الحداثة الرأسمالية السلام والحسنات والجمال والرفاه للشعوب مثلما يقال. أننا نرى ما حققته النهضة الأوروبية والإصلاح للمجتمعات في بداياته من تقدم ايجابي مختلف عن ذلك. حيث تطورت حركات اجتماعية ووعي شعبي ديمقراطي وفكر إنساني حر في هذه المرحلة التي لم تتحكم فيها نزعة الدولة القومية للحداثة الرأسمالية، ولا يمكن تسمية هذه المرحلة بمرحلة الحداثة الرأسمالية. يمكننا تسمية مرحلة النهضة والإصلاح التي عبرت الشعوب فيها عن غضبها واستيائها ضد الإقطاعية والتي بصمت المرحلة بطابعها بمرحلة الحداثة الديمقراطية. لقد ظهرت تطورات هامة في هذه المرحلة المسماة بمرحلة الحداثة الديمقراطية في أوروبا. الحداثة الحاكمة لم تكن بارزا في مرحلة النهضة والإصلاح، وحتى الحداثة الديمقراطية كانت الطافية على الأغلب.

لا يمكن الحديث عن اي تأثير ايجابي لعصر الحداثة الرأسمالية في الشرق الأوسط. ربما حدث البعض من انعكاسات عصر الحداثة الديمقراطية بتأثير من النهضة والتنوير، ولكنها كانت ثانوية. اثر هذا العصر سلبا على جميع شعوب الشرق الأوسط بتأثيره القمعي، حيث جاء بوبال الحرب والألم والبؤس لها. وخاصة ينبغي تقيم القرنين الأخيرين في تاريخ الشرق الأوسط كعصر الآلام، الاستعمار، الظلم والقبح بتأثير الحداثة الرأسمالية. ينبغي تقيم تأثير الحداثة الرأسمالية من هذا الجانب على جميع شعوب الشرق الأوسط على واسع النطاق. إذا ما أردنا ان نتقرب بمفهوم صائب للأمة وان نعطي المعنى الحقيقي لأخوة المسلمين -تلك الأخوة التي كانت موجودة في بداية ظهور الإسلام- يجب وفي البداية تقيم السلبيات التي ظهرت بين شعوب الشرق الأوسط مع ظهور الحداثة الرأسمالية بنظرة واقعية ملموسة. ولو تناولنا تأثير الحداثة الرأسمالية على الشعوب والمجتمعات بمنفصل عن تأثير الفكر الحداثوي الرأسمالي أي بعيدا عن القوموية، حينها سيكون لمفهوم الأمة التي أوجدها الإسلام في الشرق الأوسط مغزى تاريخيا بالفعل في راهننا، وسيلعب دور قيمة ثقافية لتحرير ودمقرطة وسلام المجتمعات.

لقد خلقت أخوة الأمة قيمة ثقافية في التاريخ بالطبع، وخرج من كونه قيمة ضمن المجتمعات المتبنية للإسلام فحسب لتمتد إلى جميع النواحي الحياتية للمجتمعات، وبالتحامها مع القيم التاريخية لمجتمعات الشرق الأوسط تحولت إلى جزء من الثقافة الاجتماعية. وبسبب تعبير مصطلح الثقافة الإسلامية  لمثل هذه القيم، كسبت عمقا وجوهرا اجتماعيا اكبر. اي ينبغي القول بان القيم الثقافية الإسلامية  تحولت إلى قيم مؤثرة على المجتمعات عموما وإلى جزء لا يتجزأ من حياته.

واليوم أيضا ينبغي ان نرى بان مفهوم الأمة سيلعب دورا ايجابيا. بدون شك، انحرف هذا المفهوم المتضرر من إصابة الإسلام بعدوى الدولة وتحوله إلى دين الدولة مع عصر الحداثة الرأسمالية، وحتى أنها حولت أخوة الأمة والإسلام إلى أداة للدولة القومية والنزعة القومية. وقد استخدمت بأسوأ الأشكال كوسيلة وقيمة مؤثرة في تحكيم هيمنتها على المجتمعات المستعمرة والمضطهدة، وسخرتها في خدمة الدولة القومية إلى درجة لا يُعقل. حيث سعت إلى تستر هيمنتها على الشعوب بالقول "نحن أخوة في الدين". أو أنها استذكرت وعلى الدوام الشعوب المضطهدة التي قاومت وتصدت للدول القومية ونزعتها العنصرية والشوفينية المبنية بذهنية الحداثة الرأسمالية بأخوة الأمة حتى تحطمها. وكما حاولت شرعنة هيمنتها بالقول نحن أخوة، وأمة وأبناء دين واحد، فما الداعي إلى التفرقة والتجزئة والنزاع. أنها استخدمت الهوية الدينية بالقول نحن أخوة في الدين لتتحكم بالحياة الاجتماعية حتى تشرعن وتستمر بهويتها الساحقة. كما إننا نجد بان مصطلح الأمة تحول إلى مفهوم للدولة القومية لدى الأتراك والعرب والفرس أيضا. فاليوم الدولة التركية التي تنادي بأخوة الدين والأمة وتقول لا يمكن لأحد ان يفسخ صلتنا الأخوية الموجودة منذ سنين طويلة، ترفض الحقوق الديمقراطية وحتى الطبيعية للشعب الكردي كاللغة والثقافة والهوية وحق الإدارة الذاتية. أما الشعب الكردي فيقول اليوم "لنعيش مع جميع شعوب الشرق الأوسط وليس مع التركي فحسب"، وقد برهن على قوله هذا بشكل ملموس وعمليا في تركيا اليوم. وخاصة حزب العمال الكردستاني يقول "إذا كان الأكراد جزء من الأمة فتعالوا نعيش كأخوة بعيدا عن ذهنية الدولة القومية وعن القوموية التي سممت الشرق الأوسط وحولته إلى حمام دم". وبالرغم من دعوته إلى التعايش السلمي كأصحاب حقوق متساوية ولكن تركيا ترفض المطالب الكردية. ومع رفض متطلباته بالقول "نحن إخوة في الدين، امة ولا يوجد التفرقة، عشنا مع البعض آلاف الأعوام وسنعيش كذلك إلى النهاية"، يستهدفون إلى استمرارية هوية الهيمنة القمعية التركية الموجودة على الأكراد. حيث يستخدمون أخوة الدين كأداة إيديولوجية لإذابة الكرد وتركهم عرضة للزوال. وبهذا فان مفهوم الأممية في تركيا اليوم لا يعني شيئا سوى ترك الكرد تحت نير هيمنتها. أي لا يقال: "نحن أخوة في الأمة والدين، ونحن سواسية في الحق والحقوق، أو بإمكانكم العيش بهويتكم بحرية، أو لكم الحق في ممارسة لغتكم الأم وإدارة أنفسكم بأنفسكم". فهم لا يبدون أي تقرب ديمقراطي يضمن ممارسة كل الفئات المجتمعية لحقوقها في العيش الحر.

يسعون إلى استخدام الدين كإيديولوجية شرعنة الإبادة الثقافية والهيمنة في كردستان. ويتحدثون اليوم عن الأخوة في الدين لاستمرار الهيمنة السياسية والإبادة الثقافية على الأكراد. ويخاطبون العواطف الدينية للشعب، ويستهدفون إلى استمرارية هيمنتهم عبر خداع الشعب الكردي بهذه الأقوال. وبهذا يعتقدون بأنهم عبر بناء المؤسسات والمنظمات الدينية ستتمكن الدولة التركية من شرعنة استعماريتها السياسية والحد من النضال الكردي الحر والديمقراطي. ان هذا يعني استخدام مفهوم الأمة بالسوء. اُفرغ مفهوم الأمة الذي يعتبر قيمة إسلامية عظيمة يعبر عن الإخوة بين الشعوب والعواطف الجميلة من جوهرها عبر ذهنية الدولة القومية العنصرية والقوموية الشوفينية لتحمل معنى أخر. دعك من بناء إخوة الشعوب بمفهوم الأمة المنحرف جانبا، فتحول إلى أداة لقبول تفوق القوميات الحاكمة، وهذا بدوره ما يؤدي إلى ظهور الكثير من القضايا في الشرق الأوسط وخاصة الشبيهة بهذا النوع من النزاعات. وبدل من معرفة مطالب الشعوب الأخرى بمفهوم الأمة الصحيحة الموجودة في جوهر الإسلام وفي ثقافته، هناك سعي إلى استمرارية هذا المفهوم ولكن بمعنى أخر وبتأثير من الدولة القومية للحداثة الرأسمالية عبر ذهنية الدولة القومية. وربما يكون هذا من اكبر الهجمات ضد الإسلام. انه إفراغ الإسلام باسم الإسلام من قيمه وجوهره التاريخي، وشن حملة مضادة للإسلام وخدمة أهداف لا يقبله الإسلام.

لا يوجد المفهوم المنحرف للأمة في تركيا فحسب، فانه موجود في إيران والبلدان العربية أيضا. بدون شك لا تعرف إيران والبلدان العربية الأكراد مثل الأتراك أو لم يتقربوا منهم بأساليب تقليدية مثل التتريك. وفي الحقيقة ان موضوع شكل إنكار الدولة التركية للشعب الكردي وسياسة تتريك الكرد يتطلب تقيما أخر، وهي ذات طابع شوفيني بحت من هذه الناحية، ولها نزعة قومية تعتمد على عداوة جميع الشعوب وليس الشعب الكردي فحسب من حيث الجوهر، إلى جانب تناولها للإسلام بالنزعة القومية. لذا ينبغي التحري في مفهوم الأمة او في طريقة استخدام هذا المصطلح في تركيا بشكل دقيق جدا. وفي الأصل في إيران أيضا يستخدم هذا المفهوم على نحو سوء. فهي تتصدى لمطالب الشعوب الأخرى وليس لمطالب الشعب الكردي فحسب وتتصدى لممارسة حرياتهم وثقافتهم بهويتهم او إدارة ذاتهم بذاتهم. حتى وان ذكرت إيران بأنها دولة إسلامية لكنها ترفض الحقوق الطبيعية للشعوب الأخرى بذهنية الدولة القومية.

يعتمد تاريخ إيران في أصله على ذهنية احترام حقوق الشعوب وقبول إدارتهم الذاتية، لذا فأصبح تاريخ إيران على الدوام تاريخ فيدرالية الشعوب، وشهد على إدارة كل من الأكراد والازريين والبلوجيين نفسهم بنفسهم، ولكن في وطن مشترك وتحت ظل سيادة دولة واحدة. لكن مع الحداثة الرأسمالية تسمم المفهوم القائم على احترام الآخرين والشعور بهم واحترام حقوقهم في إيران، وبدا الفرس ببناء صرح القوموية الفارسية لتكون هي الحاكمة الوحيدة في البلاد. والنزعة القوموية حاكمة في إيران باسم الشيعة اليوم، حيث وصل شيعية إيران من إحدى الجوانب إلى صيغة دينية للقوموية الفارسية. وما خلقته ذهنية الحداثة الرأسمالية من مؤثرات أدت إلى خلق مشاكل بين صفوف الشعوب في إيران، لذا ينبغي القول بان الحداثة الرأسمالية حولت إيران أيضا إلى بؤرة للمشاكل. هناك وضع مشابه في العالم العربي أيضا. فكانت القوموية العربية على عراك مستمر مع الأكراد ولم تعترف حتى بأدنى حقوقهم الطبيعية، والنتيجة كانت هزيمة العراق على الدوام. ان السبب في وصول العراق إلى ما آلت إليه هو النزعة القومية للدولة القومية، حيث حولتها اليوم إلى خراب، وفتحت السبيل أمام انهيارها. فلو تحلت بمفهوم أممي حقيقي واعتمدت على القيم التي نادى به مفهوم الأمة الذي دعا إليه الإسلام في بدايات ظهوره كالحق والعدالة والمساواة والتحمتها مع القيم الديمقراطية العصرية لراهننا، فكانت ستتحول إلى بلد قوي تعيش فيها الشعوب أخوة ضمن فيدرالية ديمقراطية بكل سهولة. وحتى لم تكن ستعاني من النزاعات الداخلية ولم يكن بمكان القوى الخارجية التدخل فيها، ولكنها دفعت ثمنا باهظا جراء التأثير الكبير لذهنية الدولة القومية.

هناك قضايا مشابهة في الكثير من البلدان العربية الأخرى ايضا، فسوريا تحكمها ذهنية الدولة القومية اليوم، وهذا ما يشكل عائقا أمام حل القضايا فيها او تحقيق دمقرطتها مثل العراق. مثلا يوجد فيها أكراد وبنسبة سكانية هامة حتى وان لم يكن بقدر ما هم موجودين في العراق وتركيا وإيران، لكنهم يعيشون تحت خطر إبادة ثقافية حتى وان لم يكن مثلما هو الحال عليه في تركيا، بسبب سياسة تحويل سوريا إلى دولة تحت هيمنة قومية واحدة اعتمادا على ذهنية الدولة القومية. وتستمر السلطة الحاكمة والمعارضة بنفس الذهنية عندما يكون الأكراد هم موضوع النقاش. لكن لو التحمت سوريا بمفهوم ديمقراطي مع مفهوم الأمة الديمقراطية، لكانت الآن تعيش بوئام وأخوة مع الأكراد ولم تكن ستواجه قضايا جادة، ولكانت نظاما ديمقراطيا قويا يعيش فيها كل من الأرمن والدروز والسريان والأكراد بحرية. ولم تكن ستعاني من ما تعانيه اليوم، وكانت الفئة العلوية المؤثرة كجماعة ايضا ستتحول إلى إحدى الممثلين الرئيسيين في تحقيق العملية الديمقراطية. ان الدولة القومية تفتح المجال لظهور بلد يحكمها القمع والاستعمار.

عندما تتبع الدولة القومية سياسة توحيد جميع الشعوب والمجتمعات تحت ظل هوية واحدة، ستكون ديكتاتورية مستبدة طبيعيا. هناك مواجهة نتائج سياسة التنميط لمفهوم الدولة القومية في عصر الحداثة الرأسمالية التي لا يشبه بحكمه ذهنية السلطة في العصور القديمة والتي فتحت السبيل أمام نتائج ظالمة. لم يكن هناك أنواع الظلم والقمع بهذا النمط في العصور القديمة، فكانت الإمبراطوريات والأمراء والسلاطين والشاهنشاهيات تطالب فقط بقبول حكمها وسلطنتها، وفي حال قبول العامة لحكمهم ودفعوا الضرائب وتقدموا بالجنود، فلم تكن تتعدى على الشعوب. أما الدولة القومية فابعد من المطالبة بقبول هيمنتها، ترتكب إبادات ثقافية بسبب ذهنية سلطوية تستهدف القضاء على الهويات التعددية الأخرى. وبسبب وجود نزعة القضاء على الهويات المتعددة الأخرى في عصرنا فانه يفوق المرحلة الإقطاعية بظلمه وقمعه. عندما تدعو نزعة الدولة القومية إلى الأحادية والدولة الواحدة والقومية الواحدة والوطن الواحد في الأصل، تصل بدورها إلى دين واحد ايضا. ان ذهنية الدولة القومية تخلق عداوة الدين أيضا، لوجود الأحادية والتنميط لا التعددية والتنوع. تكمن ذهنية الدولة القومية وراء ظهور النزاع بين المسيحيين والمسلمين في مصر. ان حكم الذهنية الأحادية تؤدي إلى طغيان الدين الحاكم على الأديان الأخرى.

تسحق الدول القومية الكثير من الهويات الثقافية الأثنية المختلفة في مناطق عديدة من العالم في راهننا، وكذلك تسحق معتقداتهم الدينية أيضا. فعصر الحداثة الرأسمالية جاء بالكثير من السيئات للشرق الأوسط. حيث تسمم المفهوم الاممي الذي يعتبر من احد القيم الاجتماعية الهامة للدين الإسلامي  وللمسلمين وحتى انه افرغ من محتواه في عصر الحداثة الرأسمالية لتعطيه معنى أخر على عكس معناه الذي كان يضمن السلام بين الشعوب والمجتمعات لتؤدي إلى خلق النزاع والقتال فيما بينهم. لندع زوال الهويات المختلفة والشعوب جانبا، فأنها قضت على العقائد المتنوعة أيضا. تم القضاء على الأرمن والسريان والمسيحيين في الشرق الأوسط ونفيهم وجليهم في عصر الحداثة الرأسمالية أكثر من أي عصر آخر، حيث كان السريان والإيزديين والعلويين والمسيحيين يشكلون نسبة سكانية هامة في الشرق الأوسط قبل عصر الحداثة الرأسمالية، وجماعات كبيرة تعيش مع بعضها البعض وعلى علاقة أخوية متبادلة، لكن من بعدما زجت الدولة القومية بفتنتها وانتشر جرثومها بين شعوب الشرق الأوسط، لم تتعادى الجماعات الأثنية فحسب، أوقعت المعتقدات ببعضها البعض أيضا. وبذلك ظهرت أقوام وعقائد أرادت القضاء على بعضها البعض. لقد تحول الشرق الأوسط إلى ميدان الوغى والحروب والإبادات في القرنين الأخيرين من بعدما كان الكل يعيش بسلام إلى درجة معينة سابقا. وكل هذا بدوره يؤدي إلى ضرورة تناول ما خلقته الحداثة الرأسمالية من أثار سلبية وكيف أنها سممت مفهوم الأمة بصيغة صحيحة، وكيف يمكن لنا تحديثها عبر قيم الأمة الديمقراطية وإنقاذ الشرق الأوسط من الأجواء المتسممة هذه.

 ينبغي وضع نقطة النهاية للتحكم والهيمنة الموجودة باسم الأمة، وذلك بمفهوم صائب للأمة وباسم إخوة الدين للهويات والجماعات المختلفة. كذلك تحريره من كونه أداة لإنكار الشعوب الأخرى باسم "نحن إخوة في الدين ولا داعي للعراك". فكاد الدين ان يتحول إلى أداة لخداع الشعوب والمجتمعات. هناك سياسة تنويم الجماعات المصابة بعدوى الدولة والسلطة، ونرى هذا الوضع بشكله الملموس في تركيا. ان جماعة فتح الله غولن والمتطرقين المرتبطين بذهنية الدولة القومية يسعون ومن خلال الأئمة الذين يعملون كموظفين للدولة إلى إعاقة متطلبات الشعب الكردي وتحطيم مقاومته. فإلى جانب العسكر والجندرمة تحولت المؤسسات الدينية والأئمة الذين يسيرون ذهنية الدولة إلى سلاح يستخدم لسحق الكفاح التحرري الكردي. ولا تقوم به تركيا فحسب، بل تفعله إيران والعراق وسوريا أيضا. وفعلته البلدان العربية الأخرى أيضا. حيث سعوا إلى تسخير الدين ليس ضد الهويات المتعددة الأخرى والشعوب فحسب، بل ضد الجماعات المضطهدة والبلدان المستعمرة والكادحين والمغتصَبين لإعاقة مقاومتهم. إلا ان الدين في حقيقته ظاهرة تنادي الإنسانية لتصدي القمع والظلم واللاعدالة. لقد تحول الدين الإسلامي  إلى دين كوني لأنه كان رسالة ضد الظلم والاضطهاد والاستعمار والاستبداد في انطلاقته. لكن هناك من يسعون إلى ان يتراجع المطالبين بهذه الرسالة وبناء حياة تتوافق مع جوهرها كالحق والعدالة والحرية عبر المؤسسات الدينية. من دون تحرير الإسلام من الطابع الدولتي وتناول قيمه الثقافية كدين اجتماعي، لا يمكن حل قضايا شعوب المنطقة راهننا. تم تحويل استخدام الإسلام إلى أداة للسلطة عبر الإسلام السياسي أي إسلام السلطة إلى تقليد في راهننا. فهناك الإسلام المتدول منذ عهد الأمويين  وإسلام السلطة وإسلام أصحاب المصالح الشخصية وإسلام المستعمرين. فهل يمكن تبني القيم الإسلامي ة  الرائعة من دون التصدي لذلك؟ وهل سنتمكن من إيجاد حلول للقضايا الاجتماعية بالقيم الفاضلة الموجودة في الإسلام الثقافي؟ ومن هذه الناحية ينبغي التحري في الأضرار التي ألحقها الإسلام السياسي للشعوب سابقا وفي راهننا. ينبغي تحرير الإسلام من كونه أداة للسلطة. بالطبع على المجتمعات المسلمة ان تكون سياسية. ان السياسة ليست سلطة، ولا تعني الدولة، بل يعني حل المجتمعات لقضاياها. ولكن السياسة بالنسبة للمسلمين السياسيين لا تعني حل المجتمعات والشعوب قضاياه، بل أداة للاستيلاء على السلطة. وباختصار، ان المسلمين السياسيين هم مسلمين السلطة والدولة. ومن هذه الناحية ينبغي تحليل اسلاموية الدولة أي الإسلام السياسي بصواب، وبناء مجتمعات وشعوب سياسية عادلة. والمجتمعات المسلمة بحاجة إلى تحول سياسي صحيح. ان هذا التسيس لا يعني الاسلاموية السياسية، بل يعني فرد ومجتمع سياسي قادر على تبني ورعاية حقوقهم الاجتماعية. 

وجدت الإنسانية الحلول لقضاياها في التاريخ عبر السياسة والأخلاق المحتويان على هذه القيم. ان الأخلاق والسياسة، أي حل المجتمع قضاياه والاهتمام بها عبر مفهوم اجتماعي ديمقراطي من أهم قيمه الإنسانية. يُسعى إلى التحكم بالشعوب اليوم عبر الانحلال الأخلاقي والقضاء على الهوية والشخصية السياسية. لذا يجب النضال ضد الإسلام السياسي وفضح الاسلاموية السياسية وعلى أنها إسلام السلطة والدولة، والبيان بأنها لا صلة لها بالحق والعدالة، أما المجتمع الإسلامي والأخوة الإسلامية  المعنية بالقضايا الاجتماعية والمستندة على المجتمع الأخلاقي والسياسي يعتبر من القيم الاجتماعية التاريخية الحرة والديمقراطية. خلق الإسلام قيم ثقافية واجتماعية كالحق والعدالة والمساواة. بالطبع يوجد الحق والعدالة والمساواة في المجتمعات والمعتقدات والأديان الأخرى. حيث ساهمت المجتمعات الغير مسلمة أيضا بإضافة قيم كبيرة إلى القيم الاجتماعية في الشرق الأوسط. ووجد الإسلام على حساب القيم التي خلقتها المجتمعات في السابق، لأنه بمكان المجتمعية ان تستمر بحياتها عبر هذه القيم أينما كان.

وإذا ما فكرنا بالقضايا المستفحلة في الشرق الأوسط وخاصة تلك النابعة من ذهنية الدولة القومية للحداثة الرأسمالية وإيقاع الشعوب ببعضها البعض، فانه يفرض نفسه وبإلحاح تحديث القيم الثقافية والاجتماعية التي كانت موجودة قبل الإسلام والتي ظهرت مع الإسلام بقيم ديمقراطية عصرية. ان قضاء الحداثة الرأسمالية على مفهوم الأمة في الإسلام وإقامة القوموية والإسلام السياسي وتحويله إلى جزء من إيديولوجية الدولة القومية، فتح المجال لتعقيد وتعقيم القضايا أكثر في الشرق الأوسط. وبالتالي ينبغي التصدي ليس للنزعة القوموية للحداثة الرأسمالية فحسب، بل النظر إلى الإسلام السياسي الدولتي السلطوي كأحد مشتقات ذهنية الدولة القومية للحداثة والتصدي لها أيضا. وسيتمكن الشرق الأوسط من دخول عصر جديد مع تصدي الإسلام السياسي السلطوي وبذهنية جديدة معتمدة على مفهوم الأمة الذي يعتبر قيمة من قيم الإسلام الثقافي المعتمد في أصله على احترام حقوق الشعوب وإقامة العلاقات الأخوية فيما بينها، وكذلك سيتحقق عصر حضارة ديمقراطية جديدة. ومن هذه الناحية هناك حاجة ماسة إلى تقيم الدور الايجابي للأديان في التاريخ والنتائج السلبية التي تمخضت عنها من بعدما أصيبت بعدوى الدولة بشمولية، إلى جانب تقيم ما فقدته شعوب الشرق الأوسط جراء الحداثة الرأسمالية، وتناول صائب للقيم الثقافية للإسلام. كما ان توحيد القيم الاجتماعية الديمقراطية التي تطورت في التاريخ وإلى راهننا، أي ان حملة بناء شرق أوسط جديد بتوحيد جميع القيم الايجابية ومن ضمنها قيم الإسلام الثقافي في الشرق الأوسط مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الشعوب والمجتمعات.

Last modified on الإثنين, 14 كانون2/يناير 2019 17:15
Rate this item
(0 votes)